أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
183
العقد الفريد
إلى اللّه ، قد قضى نحبه ، وبلغ أجله ، ثم تغيّبونه في صدع من الأرض ، ثم تدعونه غير موسّد ولا ممهّد ، قد خلع الأسباب ، وفارق الأحباب وواجه الحساب ، [ مرتهنا بعمله ] ، غنيا عما ترك ، فقيرا إلى ما قدّم ؛ وأيم اللّه إني لا أقول لكم هذه المقالة وما أعلم عند أحد منكم [ من الذنوب ] أكثر مما عندي ، فأستغفر اللّه لي ولكم ، وما تبلغنا [ عن أحد منكم ] حاجة يتسع لها ما عندنا إلا سددناها ، ولا أحد منكم إلا ووددت أن يده مع يدي ولحمتي الذين يلونني ، حتى يستوي عيشنا وعيشكم ؛ وأيم اللّه إني لو أردت غير هذا من عيش أو غضارة لكان اللسان به ناطقا ذلولا ، عالما بأسبابه ؛ ولكنه مضى من اللّه كتاب ناطق وسنة عادلة ، دل فيها على طاعته ، ونهى عن معصيته . ثم بكى ، فتلقى دموع عينيه بردائه ؛ فلم ير بعدها على تلك الأعواد حتى قبضه اللّه تعالى . خطبة يزيد بن الوليد حين قتل الوليد بن يزيد بقيّ بن مخلد قال : حدّثني خليفة بن خياط ، قال : حدّثنا إسماعيل بن إبراهيم قال : حدّثني إبراهيم بن إسحاق أن يزيد بن الوليد لما قتل الوليد بن يزيد قام خطيبا ، فحمد اللّه وأثنى عليه ، ثم قال : أما بعد ، أيها الناس ، إني ما خرجت أشرا ولا بطرا ، ولا حرصا على الدنيا ، ولا رغبة في الملك ؛ وما بي إطراء نفسي ولا تزكية عملي ، وإني لظلوم لنفسي إن لم يرحمني ربي ، ولكني خرجت غضبا للّه ودينه ، وداعيا إلى كتابه وسنة نبيه ، حين درست « 1 » معالم الهدى ، وطفئ نور أهل التقوى ، وظهر الجبار العنيد المستحيل الحرمة ، والراكب البدعة والمغيّر السنة ، فلما رأيت ذلك أشفقت إذ غشيتكم ظلمة لا تقتلع ، على كثير من ذنوبكم وقسوة من قلوبكم . وأشفقت أن يدعو كثيرا من الناس إلى ما هو عليه ، فيجيبه من أجابه منكم ؛ فاستخرت اللّه في
--> ( 1 ) درست : امحت وزالت .